المقدمة
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله .
قال
تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ { [الحشر:18]، وقال تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ { [آل عمران:102]، وقال سبحانه: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا
قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً
{ [الأحزاب:70/71]، أما بعد ..
فقد
أمرنا الله في كتابه أن ندعوه بأسمائه الحسنى فقال: } وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
{ [الأعراف:180] .
وقال
سبحانه وتعالى: } قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا
تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى { [الإسراء:110]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة
t أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا
مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ([1])
.
من
المعلوم أن إحصاء الأسماء الحسنى وجمعها من الكتاب والسنة قضية لها من الأهمية
والمكانة في قلوب المسلمين ما تتطلع إليه نفوس الموحدين وتتعلق بها ألسنة الذاكرين
ويرتقي الطالبون من خلالها مدارج السالكين، قال ابن القيم: ( فالعلم بأسمائه
وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء
أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها ) ([2])
.
ويذكر
ابن القيم أن مراتب إحصاء الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ـ وهذا هو قطب
السعادة ومدار النجاة والفلاح ـ ثلاث مراتب: المرتبة الأولى إحصاء ألفاظها وعددها،
المرتبة الثانية فهم معانيها ومدلولها، المرتبة الثالثة دعاؤه بها، وهو مرتبتان
إحداهما دعاء ثناء وعبادة، والثانية دعاء طلب ومسألة، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه
الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل إلا بها ([3])
.
لكن
السؤال الذي يطرح نفسه على عامة المسلمين وخاصتهم، ما هي الأسماء الحسنى التي ندعو
الله تعالى بها؟! إن المتفق علي ثبوته وصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإشارة إلى العدد تسعة وتسعين
في الحديث السابق الذي ورد في الصحيحين عن أبي هريرة t، لكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين الأسماء الحسنى أو سردها في
نص واحد، وهذا أمر لا يخفى على العلماء الراسخين قديما وحديثا والمحدِّثين منهم
خصوصا، إذاً كيف ظهرت الأسماء التي يحفظها الناس منذ أكثر من ألف عام؟
!
في
نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث الهجري حاول ثلاثة من رواة الحديث جمعها
باجتهادهم؛ إما استنباطا من القرآن والسنة أو نقلا عن اجتهاد الآخرين في زمانهم،
الأول منهم ـ وهو أشهرهم وأسبقهم ـ الوليد بن مسلم مولى بني أمية (ت:195هـ) وهو عند
علماء الجرح والتعديل كثير التدليس والتسوية في الحديث ([4])،
والثاني هو عبد الملك بن محمد الصنعاني، وهو عندهم ممن لا يجوز الاحتجاج بروايته
لأنه ينفرد بالموضوعات ([5])،
أما الثالث فهو عبد العزيز بن الحصين وهو ممن لا يجوز الاحتجاج به بحال من الأحوال
لأنه ضعيف متروك ذاهب الحديث كما قال الإمام مسلم ([6])
.
هؤلاء الثلاثة اجتهدوا فجمع كل منهم قرابة
التسعة والتسعين اسما ثم فسر بها حديث أبي هريرة t الذي أشار فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العدد، غير أن ما جمعه
الوليد بن مسلم هو الذي اشتهر بين الناس منذ أكثر من ألف عام، فقد جمع ثمانية
وتسعين اسما بالإضافة إلى لفظ الجلالة وهي: الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِك القُدُّوسُ
السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّر الخَالِقُ
البَارِئ المُصَوِّرُ الغَفَّارُ القَهَّارُ الوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاحُ
العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل السَّمِيعُ
البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ
الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ
الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ
الشَّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي
المُبْدِيءُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ
الوَاحِدُ الصَّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ
الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرُّ التَّوَّابُ
المنتَقِمُ العَفُوُّ الرَّءُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ
المُقْسِط الجَامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ
الهَادِي البَدِيعُ البَاقِي الوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُور ([7])
.
ولننظر
كيف اشتهرت تلك الأسماء التي اجتهد الوليد بن مسلم في جمعها؟! كان الوليد كثيرا ما
يحدث الناس بحديث أبي هريرة t المتفق عليه - والذي يشير إجمالا إلى إحصاء تسعة وتسعين اسما – ثم
يتبعه في أغلب الأحيان بذكر هذه الأسماء التي توصل إليها كتفسير شخصي منه للحديث،
وقد نُقِلت عنه مدرجة مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وألحقت أو بمعنى آخر ألصقت
بالحديث النبوي الذي رواه الترمذي، وظن أغلب الناس بعد ذلك أنها نص من كلام النبي
صلى الله عليه وسلم فحفظوها وانتشرت بين العامة
والخاصة حتى الآن، ومع أن الإمام الترمذي لما دون هذه الأسماء في سننه مدرجة مع
الحديث النبوي نبه على غرابتها، وهو يقصد بغرابتها ضعفها وانعدام ثبوتها مع الحديث
كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله ([8])
.
بل من الأمور العجيبة التي لا يعرفها الكثيرون
أن الأسماء التي كان الوليد بن مسلم يذكرها للناس لم تكن واحدة في كل مرة، ولم تكن
متطابقة قط، بل يتنوع اجتهاده عند الإلقاء فيذكر لتلاميذه أسماء أخرى مختلفة عما
ذكره في اللقاء السابق، فالأسماء التي رواها عنه الطبراني وضع فيها القائم الدائم
بدلا من القابض الباسط اللذين وردا في رواية الترمذي المشهورة، واستبدل الرشيد
بالشديد والأعلى والمحيط والمالك بدلا من الودود والمجيد والحكيم، والأسماء التي
رواها عنه ابن حبان وضع فيها الرافع بدلا من المانع في رواية الترمذي، وما رواه عنه
ابن خزيمة في صحيحه وضع فيها الحاكم بدلا من الحكيم والقريب بدلا من الرقيب،
والمولى بدلا من الوالي والأحد مكان المغني، ورويت عنه أيضا بعض الروايات اختلفت عن
رواية الترمذي في ثلاثة وعشرين اسما ([9])،
والعجيب أن الأسماء المدرجة في رواية الترمذي هي المشهورة المعروفة حتى عصرنا
.
والقصد
أن هذه الأسماء التي يحفظها الناس ليست نصا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي ملحقة أو ملصقة أو كما
قال المحدثون مدرجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ للهِ تِسْعَةً
وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا ) ([10])،
وهذا أمر قد يكون غريبا على عامة الناس لكنه لا يخفى على أهل العلم والمعرفة بحديثه
صلى الله عليه وسلم ، قال الأمير الصنعاني: ( اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها
إدراج من بعض الرواة ) ([11])،
وقال ابن حجر: ( والتحقيق أن سردها من إدراج الرواة ) ([12])،
وقال ابن تيمية عن رواية الترمذي وابن ماجه: ( وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن
هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما كل منهما من كلام
بعض السلف ) ([13])،
وقال أيضا: ( لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي
رواه الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة
مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث، وفيها حديث ثان أضعف من هذا رواه
ابن ماجه، وقد روي في عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف ) ([14])
.
وقد
ذكر أيضا أنه إذا قيل بتعيينها على ما في حديث الترمذي مثلا ففي الكتاب والسنة
أسماء ليست في ذلك الحديث، مثل اسم الرب فإنه ليس في حديث الترمذي وأكثر الدعاء
المشروع إنما هو بهذا الاسم، وكذلك اسم المنان والوتر والطيب والسبوح والشافي كلها
ثابتة في نصوص صحيحة، وتتبع هذا الأمر يطول ([15])
.
ولما
كان هذا هو حال الأسماء الحسنى التي حفظها الناس لأكثر من ألف عام والتي أنشدها كل
منشد، وكتبت على الحوائط في كل مسجد؛ فلا بد من دراسة علمية استقصائية تنبه
الملايين من المسلمين على ما ثبت فيها من الأسماء وما لم يثبت، ثم تعريفهم بالأسماء
الحسنى الصحيحة الثابتة في الكتاب والسنة وكيف يمكن أن نتعرف عليها بسهولة؟ لأن
علماء الأمة اتفقوا على اختلاف مذاهبهم على أنه يجب الوقوف على ما جاء في الكتاب
والسنة بذكر أسماء الله تعالى نصا دون زيادة أو نقصان، وأن أسماء الله الحسنى
توقيفية على النص لا مجال للعقل فيها، وأن العقل لا يمكنه بمفرده أن يتعرف على
أسماء الله تعالى التي تليق بجلاله؛ ولا يمكنه أيضا إدراك ما يستحقه الرب تعالى من
صفات الكمال والجمال فتسمية رب العزة والجلال بما لم يسم به نفسه قول على الله بلا
علم وهو أمر حرمه الله على عباده كما قال تعالى في كتابه: } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا
بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا
لا تَعْلَمُونَ { [الأعراف:33]، وقال: } وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا { [الإسراء:36] .
وقد
اشتهرت في ذلك مناظرة بين الإمام أبي الحسن الأشعري وشيخه أبي على الجبائي عندما
دخل عليهما رجل يسأل: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلا؟ فقال أبو علي الجبائي: لا
يجوز؛ لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع، والمنع في حق الله محال فامتنع
الإطلاق، فقال له أبو الحسن الأشعري: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما؛ لأن
هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك
قول حسان بن ثابت t:
فنحكم بالقوافي من هجانا : ونضربُ حين تختلط
الدماء .
وقول الآخر:
أبني حنيفة حكموا سفهاءكم : إني أخاف عليكمُ أن
أغضبا .
والمعنى نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا
سفهاءكم؛ فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع والمنع على الله محال لزمك أن تمنع إطلاق
حكيم على الله تعالى، فلم يجب الجبائي إلا أنه قال لأبي الحسن لأشعري: فلم منعت أنت
أن يسمى الله عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما؟ قال الأشعري: لأن طريقي في مأخذ أسماء
الله تعالى الإذن الشرعي دون القياس اللغوي؛ فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه ومنعت
عاقلا لأن الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته ([16])
.
قال
ابن حزم الأندلسي: ( لا يجوز أن يسمى الله تعالى ولا أن يخبر عنه إلا بما سمى به
نفسه أو أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو صح به إجماع جميع أهل الإسلام المتيقن ولا
مزيد، وحتى وإن كان المعنى صحيحا فلا يجوز أن يطلق عليه تعالى اللفظ، وقد علمنا
يقينا أن الله تعالى بنى السماء فقال: } وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا { [الذاريات:47]، ولا يجوز أن يسمى بناء، وأنه تعالى خلق أصباغ
النبات والحيوان وأنه تعالى قال: } صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً
{ [البقرة:138]، ولا يجوز أن يسمى صباغا، وأنه تعالى سقانا الغيث
ومياه الأرض ولا يسمى سقاء ولا ساقيا وهكذا كل شيء لم يسم به نفسه ) ([17])
.
وقال
النووي: ( أسماء الله توقيفية لا تطلق عليه إلا بدليل صحيح ) ([18])،
واحتج الإمام الغزالي على أن الأسماء توقيفية بالاتفاق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي
رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم لم
يسمه به أبوه ولا سمى به نفسه وكذا كل كبير من الخلق، قال: فإذا امتنع ذلك في حق
المخلوقين فامتناعه في حق الله أولى ([19])،
وقال أبو القاسم عبد الكريم القشيري: ( الأسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة
والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه وما لم يرد لم يجز ولو صح معناه )
([20])
.
وقال
ابن الوزير المرتضى: ( فأسماء الله وصفاته توقيفية شرعية، وهو أعز من أن يطلق عليه
عبيده الجهلة ما رأوا من ذلك، فلا يجوز تسميته رب الكلاب والخنازير ونحو ذلك من غير
إذن شرعي، وإنما يسمى بما سمى به نفسه ) ([21])
.
وقال عبد الرءوف المناوي في بيان علة تأكيد
النبي صلى الله عليه وسلم على تسعة وتسعين
اسما بقوله مائة إلا واحدا: ( ولما كانت معرفة أسمائه توقيفية لا يعلم إلا من طريق
الوحي والسنة ولم يكن لنا التصرف فيها بما لم يهتد إليه مبلغ علمنا ومنتهى عقولنا،
وقد نهينا عن إطلاق ما لم يرد به توقيف، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعا باشتباه
تسعة وتسعين في زلة الكاتب وهفوة القلم بسبعة وتسعين أو تسعة وسبعين؛ فينشأ
الاختلاف في المسموع من المسطور أكده صلى الله عليه وسلم حسما للمادة وإرشادا
للاحتياط بقوله مائة إلا واحدا ) ([22])
.
وقال
الزركشي: ( اعلم أن أسماء الله تعالى توقيفية لا تؤخذ قياسا واعتبارا من جهة
العقول، وقد زل في هذا الباب طوائف من الناس ) ([23])،
وقال السفاريني: ( أسماؤه ثابتة عظيمة لكنها في الحق توقيفيه لنا بذا أدلة وفِيَّه
) ([24])،
وقال جمال الدين الغزنوي: ( وأسماء الله تعالى تؤخذ توقيفا ولا يجوز أخذها قياسا
) ([25])،
وقال عضد الدين الإيجي: ( تسميته تعالى بالأسماء توقيفية، أي يتوقف إطلاقها على
الإذن فيه وذلك للاحتياط احترازا عما يوهم باطلا لعظم الخطر في ذلك ) ([26])
.
والأقوال
في ذلك كثيرة يعز إحصاؤها وكلها تدل على أن عقيدة أهل السنة والجماعة مبنية على أن
الأسماء الحسنى توقيفية، وأنه لا بد في كل اسم من دليل نصي صحيح يُذكر فيه الاسم
بلفظه، فدورنا حيال الأسماء الجمع والإحصاء ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق
والإنشاء، والذين قالوا بأن الأسماء الحسنى مشتقة من الصفات إنما يقصدون أنها تدل
على الصفات والأفعال، وأنها تلاقي مصادرها اللغوية في اللفظ والمعنى من حيث
الاشتقاق، وأن الاسم في اللغة يشتق من الوصف والفعل أو العكس، لكن لا يحق لأحد أن
يشتق هو بنفسه من الفعل الذي يراه أو الوصف الذي يختاره اسما لله تعالى؛ فلا نسمي
الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
والسؤال
الذي يطرح نفسه بالضرورة كتعقيب على ذلك كيف نميز إذا الأسماء الحسنى التي ندعو
الله بها؟ أو كيف يمكن للمسلم أن يتعرف عليها من الكتاب والسنة؟
قال
ابن الوزير اليماني: ( تمييز التسعة والتسعين يحتاج إلى نص متفق على صحته أو توفيق
رباني، وقد عدم النص المتفق على صحته في تعيينها، فينبغي في تعيين ما تعين منها
الرجوع إلى ما ورد في كتاب الله بنصه، أو ما ورد في المتفق على صحته من الحديث )
([27])
.
والرجوع
إلى ما أشار إليه ابن الوزير مسألة أكبر من طاقة فرد وأوسع من دائرة مجد لأن الشرط
الأول والأساسي في إحصاء الأسماء الحسنى هو فحص جميع النصوص القرآنية وجميع ما ورد
في السنة النبوية مما وصل إلينا في المكتبة الإسلامية، وهذا الأمر يتطلب استقصاء
شاملا لكل اسم ورد في القرآن، وكذلك كل نص ثبت في السنة، ويلزم من هذا بالضرورة فرز
عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد، وهذا في
العادة خارج عن قدرة البشر المحدودة وأيامهم المعدودة؛ ولذلك لم يقم أحد من أهل
العلم سلفا وخلفا بتتبع الأسماء حصرا منذ أكثر من ألف عام، وإنما كان كل منهم يجمع
ما استطاع باجتهاده أو ما تيسر له من جمع غيره واجتهاده، وكان أغلبهم يكتفي برواية
الترمذي أو ما رآه صوابا عند ابن ماجة والحاكم فيقوم بشرحه وتفسيره مع التنبيه على
أن الأسماء الحسنى توقيفية على النص، كما فعل الإمام الزجاج والخطابي والبيهقي
والقشيري والغزالي والرازي والقرطبي وغيرهم من القدامى والمعاصرين، وقد كان شيخ
الإسلام ابن تيمية يشير إلى صعوبة تتبع الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة
ويقول: ( وتتبع هذا الأمر يطول ) ([28])
.
لكن
الله تعالى لما يسر الأسباب في هذا العصر أصبح من الممكن إنجاز مثل هذا البحث في
وقت قصير نسبيا، وذلك باستخدام الكمبيوتر والموسوعات الالكترونية التي قامت على
خدمة القرآن وحوت آلاف الكتب العلمية، واشتملت على المراجع الأصلية للسنة النبوية
وكتب التفسير والفقه والعقائد والتاريخ والأدب والنحو وغيرها الكثير والكثير
.
ولم
تكن هذه التقنية قد ظهرت منذ عشر سنوات تقريبا، أو بصورة أدق لم يكن ما صدر منها
كافيا لإنجاز مثل هذا البحث، ولما عايشت الحاسوب منذ أول ظهوره وظهور الموسوعات
التراثية الالكترونية حتى جمعت بين يدي تباعا أكثر من خمس وثلاثين موسوعة الكترونية
تراثية دفعني ذلك ومنذ عامين تقريبا إلى أن أقدم على هذا الموضوع مستعينا بالله
أولا ثم بما سخره من التقنية الحديثة وقدرة الحاسوب على قراءة آلاف المراجع الأصلية
من تلك الموسوعات في ثوان معدودات؛ فالرغبة في إتمام البحث مهما كانت النتائج أمر
ملح وضرورة يصعب دفعها عن النفس .
وكثيرا
ما يشعر أي متخصص أو داعية بالحيرة والاضطراب عندما يسأل عن تحرير المسألة في أحد
الأسماء المشهورة كالمعز والمذل والمبديء والمعيد والخافض والضار والنافع والعدل
والمانع والواجد والماجد والباقي والمميت والباعث والمحصي والرشيد والجليل، وغير
ذلك مما اشتهر على ألسنة العامة والخاصة؟ .
وسبب
الحيرة أن تلك الأسماء وردت مدرجة مع رواية الوليد بن مسلم التي رواها الترمذي في
سننه، فلا يمكن القول أو الجزم يأنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك
تجدها وقد شرحها أو ذكرها أعلام كبار من السلف والخلف في كتبهم، هذا من جهة، ومن
جهة أخرى نجد أن أهل العلم قد اتفقوا على أن الأسماء الحسنى توقيفية على النص وأنه
لا يجوز تسمية الله تعالى إلا بدليل، كما أن الجزم بأنه قد ورد النص أو لم يرد في
الكتاب والسنة بذكر كل اسم من هذه الأسماء مسألة يصعب تتبعها وإحصاؤها كما سبق
وأشرنا، ومن ثم تحدث الحيرة والاضطراب عند مواجه السؤال عن الموقف الصحيح من تلك
الأسماء .
وقد
كانت الإجابة في الغالب وحالي حال الكثيرين في إجاباتهم الاعتماد إجمالا على ذكر
منهج أهل السنة والجماعة في موضوع الأسماء الحسنى، أو ما تيسر من اجتهاد جزئي لمن
سبق من العلماء في رد اسم أو إثباته، أو الاكتفاء بما ورد من الأسماء في الروايات
المدرجة مع التنبيه على أن سرد الأسماء فيها ليس من كلام النبي صلى الله عليه
وسلم ولكنه اجتهاد شخصي من قبل الرواة،
كما أنها روايات مختلفة ومضطربة .
لكن
بعد استخدام البحث الحاسوبي واستقصاء أدلة الكتاب والسنة تبين أن هذه الأسماء
جميعها ليست من الأسماء الحسنى لأن الله تعالى لم يسم نفسه بها، وكذلك لم ترد في
صحيح السنة، فالمعز المذل اسمان لهما شهرة واسعة، وهما وإن كان معناهما صحيحا
لكنهما لم يردا اسمين لله تعالى في القرآن أو السنة، وإنما سماه بهما الوليد بن
مسلم ضمن ما أدرجه باجتهاده في الحديث الذي رواه عنه الترمذي، وكذلك عبد الملك
الصنعاني ضمن ما أدرجه في رواية ابن ماجة، حيث اشتق كل منهما هذين الاسمين من فعلين
وردا في قوله تعالى: } قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ
تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { [آل عمران:26] .
والله
تعالى أخبر في الآية أنه يؤتي ويشاء وينزع ويعز ويذل، ولم يذكر في الآية بعد مالك
الملك واسمه القدير سوى صفات الأفعال، فالذين سموا الله تعالى المعز المذل اشتقوا
له اسمين من فعلين، وتركوا على قياسهم ثلاثة أسماء أخرى، فيلزمهم تسمية الله تعالى
بالمشيء والمؤتي والمنزع طالما أن المرجعية في علمية الاسم إلى القياس والرأي
والاشتقاق دون التتبع والجمع والإحصاء .
وكذلك
المبدِيء
المعِيد اسمان لا دليل على ثبوتهما، ولم يردا في كتاب الله أو في سنة رسوله
صلى
الله عليه وسلم اسمين لله تعالى،
ولكن وردا فعلين في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: } قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
{ [يونس:34]، وقوله: } إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ { [البروج:13]، فاستند من سمى الله بهذين الاسمين إلى مجرد اجتهاده
في الاشتقاق من الفعلين فقط، وهذا ليس من حق أحد إلا ما ورد النص بذكر الاسم
.
وتسمية
الله بالخافض يلزمها الدليل أيضا؛ فالاسم لم يرد في القرآن أو السنة وإنما ورد
الفعل يخفض عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري t أن صلى الله عليه وسلم النبي قال: ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل لاَ
يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ )
([29])،
ولا يجوز لنا أن نشتق لله من كل فعل اسما ولم يخولنا الله في ذلك قط، وإنما أمرنا
سبحانه بإحصاء أسمائه وجمعها من الكتاب والسنة ثم دعاؤه بها، فدورنا حيال الأسماء
الحسنى الإحصاء والدعاء وليس الاشتقاق والإنشاء .
ولو
أصر أحد على تسمية الله تعالى بالمعز المذل المبديء المعيد الخافض وأجاز لنفسه ذلك
فيلزمه قياسا تسميته البناء لأنه بنى السماء فقال: } أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
{ [النازعات:27]، والساقي لأنه سقى أهل الجنة شرابا طهورا فقال:
} وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً { [الإنسان:21]، والمدمر لأنه دمر على الكافرين فقال:
} دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا
{ [محمد:10]، والطامس لأنه طمس على أعينهم فقال: } وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا
الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ { [يس:66]، والماسخ لأنه مسخهم على مكانتهم فقال: } وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ
{ [يس:67]، والمقطع لأنه قطع اليهود أمما فقال: } وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً { [الأعراف:168]، والمفجر لأنه سبحانه فجر الأرض عيونا فقال:
} وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً { [القمر:12]، والحامل لأنه حمل نبيه نوحا تعالى على ذات ألواح ودسر
فقال تعالى: } وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ { [القمر:13]، وغير ذلك من آلاف الأفعال في الكتاب والسنة والتي
سيقلبها دون حق إلى أسماء لله تعالى .
كما
أن الله تعالى قال: } وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
{ [الأعراف:180]، وقال سبحانه: } فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى { [الإسراء:110]، ولم يقل: ولله الأوصاف الحسنى أو فله الأفعال
الحسنى، وشتان بين الأسماء والأوصاف؛ نقول العليم متصف بالعلم والقدير متصف
بالقدرة، والعزيز متصف بالعزة، والرحمن متصف بالرحمة، والخبير متصف بالخبرة ونحن
دورنا إحصاء الأسماء وليس الأوصاف، فالأوصاف تتبع الموصوف وتقوم به ولا تقوم بنفسها
وكذلك الفعل يقوم بفاعله، إذ لا يصح أن نقول: الرحمة استوت على العرش، أو العزة
أجرت الشمس، أو العلم والحكمة والخبرة أنزلت الكتاب وأظهرت على النبي صلى الله عليه
وسلم ما غاب من الأسرار، أو يرحم ويعز
ويعلم فعل كذا وكذا، فهذه كلها أوصاف وأفعال لا تقوم بنفسها بخلاف الأسماء الحسنى
الدالة على المسمى الذي اتصف بها كالرحمن والرحيم والعزيز والعليم والخبير والحكيم
.
وعلى
ذلك لا يصح تسمية الله تعالى
بالجليل
حيث لا يوجد دليل في الكتاب أو صحيح السنة ورد فيه الاسم بنصه، ولكن ورد الوصف في
قول الله تعالى: } وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ
{ [الرحمن:27]، وفرق كبير بين الاسم والوصف؛ فالله تعالى
وصف
نفسه بالقوة فقال: } ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ { [الذاريات:58]، وسمى نفسه القوي فقال: } وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ { [الشورى:19]، ووصف نفسه بالرحمة فقال: } وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَة { [الأنعام:133]، وسمى نفسه الرحمن الرحيم في قوله تعالى:
} تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { [فصلت:2]، ولما كانت أسماء الله توقيفية ولا نسمي الله
تعالى
إلا
بما سمى به نفسه في الكتاب والسنة، فإن الله تعالى
وصف
نفسه بالجلال فقال: } ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ { [الرحمن:27]، ولم يسم نفسه الجليل إذا لم يرد فيه دليل كما سبق
.
وكذلك
اسم الباعث والمحصي لم أجد حجة أو دليلا على إثبات هذين الاسمين والذي ورد في
القرآن والسنة في نصوص كثيرة صفات أفعال فقط، كما في قوله تعالى: } يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا
عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
{ [المجادلة:6]، ومن الملاحظ أن الذي اشتق الباعث من قوله يبعثهم،
والمحصي من قوله أحصاه الله ترك المنبئ من قوله فينبئهم؛ لأن الآية لم يرد فيها بعد
اسم الله الشهيد سوى الأفعال التي اشتق منها فعلين وترك الثالث في حين أن هذه
الأسماء جميعها لم ترد نصا صريحا في الكتاب أو في صحيح السنة
.
أما
تسمية الله تعالى
بالضار
النافع فهذان الاسمان لم يردا في القرآن أو السنة وخصوصا الضار لم يرد اسما ولا
وصفا ولا فعلا، وليس لمن سمى الله بهما إلا الاجتهاد الشخصي في الاشتقاق من المعنى
الذي ورد في قوله تعالى: } قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ
اللَّهُ { [الأعراف:188]، أو ما ورد عند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من
حديث ابن عباس t أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال له: ( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ
اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ
قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ
لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ) ([30])،
كيف يعقل تسمية رب العزة والجلال بالضار وليس فيه وصف كمال ولا حجة على ثبوته من
كتاب الله أو سنة رسوله صلى
الله عليه وسلم ؟
وكيف
يكون الضار اسما والمفترض أن تكون الأسماء التي نجمعها أو نحصيها كلها حسنى تفيد
المدح والثناء على الله بنفسها؟ وكيف يكون الضار من الأسماء المحفوظة المشهورة في
حين لا يذكر فيها اسم الله الأعلى ونحن نذكره في كل سجدة، وقد نص الله تعالى
على
اسميته وعلميته فقال: } سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى { [الأعلى:1]؟ فالواجب على كل مسلم أن يقف عند النص، إن ورد فيه
الاسم سمى الله به وإن لم يرد فليس لأحد الحق في تسمية الله تعالى
به
وإن صح معناه في حق الله، فالعدل مثلا اسم من الأسماء المشتهرة ضمن
ما أدرجه الوليد بن مسلم باجتهاده في الحديث الذي رواه عنه الترمذي في
سننه،
لكن ما الدليل عليه؟ وأين النص الذي ذكر فيه؟
لقد
تبين بعد البحث الحاسوبي أنه لم يرد في القرآن أو السنة اسما ولا فعلا، ولا دليل
لمن سمى الله تعالى
بهذا
الاسم سوى الأمر بالعدل في قوله تعالى: } إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان
{ [النحل:90]، والمفترض لو قلنا على منهجهم في جواز اشتقاق الاسم من
الفعل أن يسمى الله تعالى
الآمر
اشتقاقا من الفعل يأمر وليس العدل .
ولو
تساءلنا أيضا عن تسمية الله تعالى
بالمميت هل ورد النص عليه في الكتاب والسنة؟ تبين بعد البحث الحاسوبي أنه لم
يرد، والذي ورد في القرآن في أربعة عشر موضعا الفعل المضارع يميت كما في قول الله
تعالى: } هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { [يونس:56]، وورد الفعل الماضي أمات في ثلاثة مواضع كقوله
تعالى
: } وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا { [النجم:44]، وهذا لا يكفي وحده في إثبات الاسم؛ فلا يجوز أن نسمي
الله تعالى
بما لم يسم به نفسه في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسوف يأتي
بإذن الله تفصيل الأدلة حول كل اسم من الأسماء المدرجة في روايات السنة
.
إن
من دوافع البحث الرئيسية أن باب الأسماء الحسنى يفتقر إلى دراسة علمية استقصائية
حصرية تشمل كل ما ورد في الأصول القرآنية والنبوية، وكم
راودتني نفسي منذ زمن طويل أن أجد جوابا شافيا لنفسي قبل غيري في التعرف على أسماء
الله الحسنى التسعة والتسعين التي ورد النص عليها إجمالا والتي ثبتت في الكتاب
والسنة، وكنت كلما هممت باستقصاء الموضوع والبحث فيه أجد من الهيبة ما يوهن عزيمتي
ويضعف إرادتي لأن الموضوع أكبر من طاقتي وأوسع من دائرتي، وهذا يتطلب كما سبق جهدا
يخرج عن قدرة البشر المحدودة وأيامهم المعدودة .
ولما
يسر الله تعالى
الأسباب
في هذا العصر وأصبح ذلك أمرا ممكنا بعد أن ظهرت تقنية البحث
الحاسوبية وقدرة الحاسوب على قراء ملايين الصفحات في لحظات معدودات أقدمت
على البحث وأنا لا أتوقع ما توصلت إليه من نتائج، ويعلم الله أن الجهد الذي بذلته
في هذا البحث وشاركتني فيه زوجتي أم عبد الرزاق من خلال العمل المتواصل لمدة عامين
كاملين على ثلاثة حواسب يساوي أضعاف ما بذلته في رسالة الدكتوراه على ضخامة حجمها،
لكن النتيجة التي أسفر عنها البحث يتصاغر بجانبها كل جهد، فقد ظهرت
مفاجأة لم تكن في الحسبان، تلك المفاجأة تتمثل في أن ما تعرف الله به
إلى عباده من أسمائه الحسنى التي وردت في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
تسعة وتسعون اسما وردت بنصها كما أشار
النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا إلى
العدد المذكور في الحديث المتفق عليه، وذلك عند تمييزها عن الأوصاف، وإخراج ما قيد
منها بالإضافة أو بموضع الكمال عند انقسام المعنى المجرد وتطرق الاحتمال، هذا مع
تحري ثبوتها بالنص وتتبعها بالدليل كما سيأتي ذكره بالتفصيل والتحليل، فالشروط التي
استخرجت من القرآن والسنة أو الضوابط التي انتهجت في إحصاء الأسماء بعد البحث
الحاسوبي والاستقصاء لم تنطبق إلا على تسعة وتسعين اسما من جملة ما ورد في القرآن
والسنة وما ذكره المتوسعون من العلماء والذي يزيد عن المائتين والثمانين اسما
.
وليس
في الأمر تكلف أو افتعال، أو تعسف أو تحايل على واقع الحال، أو محاولة مني لجعل عدد
الأسماء الحسنى محصورا في تسعة وتسعين اسما بصورة أو بأخرى، بل كانت مفاجأة غير
متوقعة كما سيري القارئ؛ فالأمر في إحصاء الأسماء أصبح الآن مرهونا بشروط أو قواعد
أو ضوابط أو أسس يستطيع من خلالها كل باحث من العامة أو الخاصة مهما كانت درجته
العلمية أو حصيلته الثقافية ـ إذا تجرد من النوازع النفسية وغلبة الطبع لما اعتاد
عليه من الموروثات الثقافية ـ يستطيع أن يطبقها بدقة على كل نص عند إحصائه للأسماء
الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، وسيصل إن شاء الله إلى النتيجة ذاتها التي توصلنا
إليها، ومن ثم يتعرف بسهولة ويسر على العدد الذي ذكره النبي صلى الله عليه
وسلم في الحديث المتفق عليه، وقد أعيد
البحث الحاسوبي مرات ومرات لتأكيد النتيجة سواء من قبلي شخصيا أو من قبل الكثير من
الباحثين فكانت النتيجة واحدة .
وبهذه
الشروط أو تلك القواعد علم أيضا حال كل اسم من الأسماء التي اجتهد الرواة في جمعها
ثم أدرجوها أو ألحقوها بحديث أبي هريرة t في كتب السنة، وسوف نفصلها تفصيلا دقيقا فيما سيأتي إن شاء الله،
وهذا العدد الذي تظهره تقنية الحاسوب في عصرنا يدلل على إعجاز نبوي جديد يحقق قول
النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً
إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ([31])،
ولا تعارض بين ذلك وما جاء في حديث عبد الله ابن مسعود t أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال في دعاء الكرب: ( أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيتَ بِهِ
نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ
خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ) ([32])،
لأن هذا الحديث يدل على انفراد الله بعلم العدد الكلى لأسمائه الحسنى، فما استأثر
به في علم الغيب عنده لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به
.
قال
الإمام النووي في تعليقه على حديث أبي هريرة t: ( وأما قوله صلى الله عليه وسلم
من أحصاها دخل الجنة فاختلفوا في المراد بإحصائها، فقال البخاري وغيره من
المحققين معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى من حفظها،
وقيل أحصاها عدها في الدعاء بها، وقيل أطاقها أي أحسن المراعاة لها والمحافظة على
ما تقتضيه وصدق بمعانيها ) ([33])
.
غير
أنه من الضروري قبل حفظها أن نتعرف عليها أولا؛ لأن حفظها يعقب استخراجها ولا يمكن
حفظها إلا بعد معرفة المواضع التي وردت فيها نصا من الكتاب أو صحيح السنة النبوية،
وإن كان لإحصائها بعد معرفتها وجمعها وحفظها مراتب أخرى كشرحها وتفسير معانيها
بالقرآن والسنة والمأثور من كلام السلف والخلف، ثم فهم دلالتها على أوصاف الكمال
بأنواع الدلالات المختلفة سواء كانت مطابقة أو تضمنا أو التزاما، وبيان المواضع في
الكتاب والسنة التي ورد الاسم فيها علما على ذات الله وتلك التي ورد فيها وصفا لله
تعالى سواء كان وصف ذات أو وصف فعل؟ ثم البحث عن كيفية الدعاء بالأسماء الحسنى دعاء
مسألة؟ أو كيف يدعو الموحد ربه بأسمائه الحسنى كما أمر الله تعالى في قوله:
} وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
{ [الأعراف:180]؟ وما هو الدعاء القرآني أو الدعاء النبوي الصحيح
المأثور في كل اسم من الأسماء بمفرده؟
والأكثر
أهمية فيما يتعلق بحياة المسلم البحث عن كيفية الدعاء بالأسماء الحسنى دعاء عبادة؟
أو أثر كل اسم من الأسماء الحسنى على سلوك العبد وتوجيه أقواله وأفعاله إلى توحيد
الله؟ ولذلك جاءت خطة البحث في إحصاء الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة على
النحو التالي:
المقدمة:
واشتملت على أهمية الموضوع وخطة البحث .
الباب
الأول: تمييز الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة .
وقد اشتمل على المحاور
التالية:
—
أسماء
الله الكلية وإحصاء الأسماء الحسنى .
—
الجمع
بين رواية ابن مسعود ورواية أبي هريرة .
—
ظهور
الأسماء الحسنى مرتبط بمقتضى الحكمة الإلهية .
—
رأي
ابن القيم في مقتضى الأسماء الحسنى .
—
شروط
الإحصاء وجهود المعاصرين في جمع الأسماء .
—
الشرط
الأول ثبوت النص في القرآن أو صحيح السنة .
—
الشرط
الثاني علمية الاسم واستيفاء العلامات اللغوية .
—
الشرط
الثالث إطلاق الاسم دون إضافة أو تقييد .
—
الشرط
الرابع دلالة الاسم على الوصف .
—
الشرط
الخامس دلالة الوصف على الكمال المطلق .
—
اللؤلؤة
الفضلى في نظم أسماء الله الحسنى .
—
الأسماء
المدرجة في الروايات وتمييزها بشروط الإحصاء .
الباب
الثاني: الإيمان بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة .
وقد اشتمل على المحاور
التالية:
—
منهج
السلف في العقيدة وأثره في الإيمان بأسماء الله الحسنى .
—
موقف
السلف ممن عطل دلالة الأسماء على الصفات .
—
أزلية
الأسماء والصفات الإلهية .
—
القول
في مسألة الاسم والمسمى .
—
دلالة
الأسماء على العلمية والوصفية .
—
جلال
أسماء الله الحسنى .
—
اسم
الله الأعظم ودلالته على الصفات .
—
قصص
واهية حول الاسم الأعظم .
—
الروايات
الثابتة في الاسم الأعظم .
—
دلالة اقتران الأسماء
الحسنى على الصفات .
—
هل
الأسماء مشتقة من الصفات أم العكس؟
—
أنواع
الدلالات وتعلقها بالأسماء والصفات .
—
موقف
المسلم من الأسماء المشهورة التي لم تثبت .
الباب
الثالث: الدعاء بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة
.
وقد اشتمل على المحاور
التالية:
—
دعاء
المسألة والعبادة لغة واصطلاحا .
—
المقصود
بدعاء المسألة ودعاء العبادة .
—
دعاء
المسألة أعلى أنواع التوسل إلى الله .
—
أنواع
دعاء المسألة وتعلقها بالأسماء الحسنى .
—
آداب
دعاء الله بأسمائه دعاء مسألة .
—
الشرك
في الدعاء والإلحاد في الأسماء .
—
دعاء
العبادة ومقتضى الأسماء الحسنى .
—
التفاضل
والتكامل بين دعاء المسألة ودعاء العبادة .
—
حكم
تسمية العباد بأسماء الله الحسنى .
الباب
الرابع: مراتب الإحصاء لكل اسم من الأسماء .
وقد اشتمل على دراسة موسوعية لكل اسم من الأسماء
الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، وقد تضمنت المحاور
التالية:
أولا:
الدليل على ثبوت الاسم وإحصائه .
ثانيا:
شرح الاسم وتفسير معناه .
ثالثا:
دلالة الاسم على أوصاف الله .
رابعا:
الدعاء بالاسم دعاء مسألة .
خامسا:
الدعاء بالاسم دعاء عبادة .
أما
الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة والتي شملتها الدراسة الموسوعية فبيانها
على النحو التالي: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ
المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الخَالِقُ البَارِئُ
المُصَوِّرُ الأَوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ السَّمِيعُ البَصِيرُ
المَوْلَى النَّصِيرُ العَفُوُّ القَدِيرُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الوِتْرُ الجَمِيلُ
الحَيِيُّ السِّتيرُ الكَبِيرُ المُتَعَالُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الحَقُّ المُبِينُ
القَوِيُّ المَتِينُ الحَيُّ القَيُّومُ العَلِيُّ العَظِيمُ الشَّكُورُ الحَلِيمُ
الوَاسِعُ العَلِيمُ التَّوابُ الحَكِيمُ الغَنِيُّ الكَرِيمُ الأَحَدُ الصَّمَدُ
القَرِيبُ المُجيبُ الغَفُورُ الوَدودُ الوَلِيُّ الحَميدُ الحَفيظُ المَجيدُ
الفَتَّاحُ الشَّهيدُ المُقَدِّمُ المُؤخِّرُ المَلِيكُ المُقْتَدِرْ المُسَعِّرُ
القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ القَاهِرُ الديَّانُ الشَّاكِرُ المَنانَّ
القَادِرُ الخَلاَّقُ المَالِكُ الرَّزَّاقُ الوَكيلُ الرَّقيبُ المُحْسِنُ
الحَسيبُ الشَّافِي الرِّفيقُ المُعْطي المُقيتُ السَّيِّدُ الطَّيِّبُ الحَكَمُ
الأَكْرَمُ البَرُّ الغَفَّارُ الرَّءوفُ الوَهَّابُ الجَوَادُ السُّبوحُ الوَارِثُ
الرَّبُّ الأعْلى الإِلَهُ، وقد رتبت ترتيبا اجتهاديا حسب اقتران ورودها في النصوص
القرآنية والنبوية مع مراعاة تقارب ألفاظها وسهولة حفظها
.
خاتمة البحث: واشتملت على ما يلي:
—
النتائج
المتعلقة بتمييز الأسماء وكيفية التعرف عليها.
—
النتائج
المتعلقة بشرح الأسماء وتفسير معانيها .
—
النتائج
المتعلقة بدلالة الأسماء على الصفات .
—
النتائج
المتعلقة بدعاء المسألة .
—
النتائج
المتعلقة بدعاء العبادة .
—
تعقيبات
وتعليقات على إحصاء الأسماء الحسنى .
أسأل
الله تعالى بأسمائه الحسنى التي جمعتها من كتابه ومن سنة رسوله صلى الله عليه
وسلم أن يعينني على نفسي وأن يغفر لي ذنبي
وتقصيري، وما بدر مني من سوء نظري وتدبيري، وأن يرزقني طاعته وتقواه وأن يجعل هذا
البحث سببا في عتق رقبتي من النار يوم ألقاه، وأن يغفر لوالديَّ ويجزي زوجتي أم عبد
الرزاق خير الجزاء على ما قدمته من جهد كبير وعناء في مساعدتي لإخراج هذا البحث،
كما أسأل الله سبحانه وتعالى لكل من نصحني من إخواني وشجعني ووجهني وساعدني وأرشدني
وانتقدني للانتباه إلى ما غاب عني، ولكل من نقل البحث أو نشره أو شرحه أو اختصره أو
جعله سببا في توجيه المسلمين إلى توحيد رب العالمين أن ينال وننال معه شفاعة خاتم
الأنبياء والمرسلين .
وكتبه
د/محمود
عبد الرازق الرضواني
السـابع
من شعبان سنة 1426هـ
الحادي
عشر من سبتمبر سنة 2005م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق